No comments yet

الماء الحي

الماء الحي
تـأملات في الأصحاح الرابع من إنجيل القديس يوحنا

فجاءت امرأة من السامرة لتستقي ماء، فقال لها يسوع: أعطيني لأشرب، لأن تلاميذه كانوا قد مضوا إلى المدينة ليبتاعوا طعاماً. فقالت له المرأة السامرية: كيف تطلب مني لتشرب، وأنت يهودي وأنا امرأة سامرية؟ لأن اليهود لا يُعاملون السامريين. أجاب يسوع وقال لها: لو كنتِ تعلمين عطية الله، ومَن هو الذي يقول لكِ أعطيني لأشرب، لطلبتِ أنتِ منه فأعطاكِ ماءً حيًّا. قالت له المرأة: يا سيد، لا دلو لك والبئر عميقة. فمن أين لكَ الماء الحي. ألعلك أعظم من أبينا يعقوب، الذي أعطانا البئر، وشرب منها هو وبنوه ومواشيه؟” (يو 7:4-12)

لم يكن مجيء المرأة السامرية مصادفة، بل هو تدبير إلهي من أجل خلاص نفسها، وقد اشتمل هذا التدبير الإلهي تدبير الزمن، وتدبير ترك التلاميذ، وتدبير التعب الذي احتمله الرب، وتدبير عطش المرأة واحتياجها أن تستقي.
ولم يكن تدبير الرب لخلاص السامرية سوى صورة لتدبيره الإلهي لخلاص البشرية، لأنه في ملء الزمان جاء ابن الله، تاركاً عرشه الإلهي، لابساً جسم البشرية محتملاً تعب الصليب ليتقابل مع الإنسان. ويروي ظمأه الذي لم يستطع العالم ولا الناموس ولا الأنبياء ابتداءً من أب الآباء يعقوب أن يرووه.

أعطيني لأشرب:
عجباً كيف أن الرب هو الذي يبدأ الحديث مع الإنسان كأن الرب هو المحتاج إلى الإنسان؟؟
إن الله في محبته يعلم أن الإنسان إذا تسلَّطت عليه الخطية أفقدته الإحساس باحتياجه بل وأفقدته القوة والإرادة حتى لطلب التوبة ومن أجل هذا يأتي الرب إلى الخاطئ ويقرع باب قلبه لعلَّه ينتبه، ويوقظ ضميره ليتوب. ولهذا صرخ يسوع على الصليب قائلاً: أنا عطشان!! ولم يكن عطشه إلى الماء، بل إلى نفسي ونفسك ونفس كل إنسان خاطئ.

فقالت له المرأة:
إن كان عجيباً أن يأتي الرب إلى الإنسان كمحتاج، ولكن الأعجب منه أن الإنسان يرفض نداء الرب له.
الله يمدُّ ذراعه طول النهار إلى الإنسان لعلَّه يمسك بها ويقوم، ولكن الإنسان في غباوته لا يلتفت إلى ذراع الرب، مفضِّلاً أن يبقى في خطيته.
وكثيراً ما نقف أمام دعوة الله لنا ونتساءل في جهل: هل الله حقًّا يدعوني إلى ملكوته؟
هل الله يحبني؟
هل يحبني أنا الذي عشت في الخطية أيام حياتي كلها؟
وهكذا يبدأ الإنسان في وضع الحواجز بينه وبين الله،
ألم تفعل المرأة السامرية هذا؟ وعِوَض أن تُسرع إلى تلبية نداء الرب لها، أخذت تضع الحواجز بينها وبينه.
أنت يهودي، وأنا سامرية،
ليس بيننا تعامُل!!
أنت ابن الله، وأنا ابن الخطيئة.
أنت القدوس، وأنا النجس.
أنت الذي تنسب إلى الملائكة حماقة، والسماء غير طاهرة أمام عينيك؛
أما أنا، فأنا إنسان نجس الشفتين، بالآثام حُبل بي، وبالخطية ولدتني أُمي.

ولكن لماذا تتصلف النفس الخاطئة وترفض دعوة الله لها؟
لأننا لا نعلم عطية الله لنا،
ولا نعلم مَن هو الذي يسألنا؟
آه يا نفسي المسكينة لو كنتِ تعلمين!!
لو كنتِ تعلمين أن عطية الله لنا ليست ماءً يروي ظمأ الجسد؛
بل هو ماء حي لحياة أبدية!!
لو كنتِ تعلمين يا نفسي عطية الله لك في ذبيحة الإفخارستيا، لما توانيتِ عن أن تتقدمي بشوق ودموع لتأكلي من هذه المائدة المقدسة.
لو كنتِ تعلمين عطية الله لكِ في الصلاة لما تكاسلتِ عن الصلاة،
لو كنتِ تعلمين عطية الله لكِ في كلمة الإنجيل لما أهملتِ قراءة الإنجيل،
لو كنتِ تعلمين عطية الله لكِ في المجد لما تكاسلتِ عن أن تجاهدي يا نفسي حتى الدم ضد الخطية.
حقًّا إنها مصيبة الإنسان الذي يرفض دعوة الله له،
إنه لا يعلم عطية الله له.

لم تكن هذه العطية سوى الروح القدس الذي صار لنا بالمسيح يسوع،
روح البنوَّة والعفة،
هذا هو الماء الحي الذي كل مَن يشرب منه لا يعطش إلى الأبد؛
بل تجري من بطنه أنهار ماء حي.

ولكن من أين لكَ الماء الحي؟
هل من بئر يعقوب أب الآباء؟
الذي هو الناموس والفرائض وذبائح الحيوان؟
لقد شرب من هذا البئر كل الآباء وماتوا،
فمن أين لي، إذن، هذا الماء الحي؟
ليس من بئر ولا بدلو أحصل على الماء الحي،
لأن الناموس صار عاجزاً،
والفرائض غير كاملة،
والذبيحة غير كافية،
فمن أين لي، إذن، الماء الحي؟؟
“مَن آمن بي… تجري من بطنه أنهار ماء حي.” (يو 38:7)

لا دلو لك والبئر عميقة
لقد نظرت المرأة السامرية إلى عمق البئر وإلى قصور إمكانيات الإنسان،
ولذلك صار حكمها حسب المقاييس البشرية: إن الحصول على هذا الماء أمرٌ غير مستطاع!!
هكذا يقف الإنسان أمام كمال الوصية ويتنهد قائلاً: كيف يكون لي هذا؟
إنه أمرٌ غير مستطاع بإمكانياتي البشرية العاجزة.
أخي، حوِّل نظرك عن البئر وعمقه، إلى الجالس على البئر، إلى يسوع نفسه،
واعلم أنك بالمسيح تستطيع كل شيء،
وإذا أصابتك تجربة قاسية تعجز أمامها كل طاقاتك البشرية، فلا تيأس إذ ليس لك دلو،
ولكن اطلب الرب الذي يمد ذراعه القوية إلى أعمق أعماق التجربة وينقذك بقوة.

ابنة يعقوب
المرأة ترجع إلى نفسها!!
المرأة في حوارها مع المسيح تذكر أنها ابنة يعقوب أب الآباء، فهي أيضاً مثل اليهود كانت تعيش على رجاء مجيء “المسيَّا” حتى وإن تنجَّست حياتها بالخطية، ولكنها لا زالت تحسب نفسها ابنة يعقوب.
وقد استطاع المسيح أن يُشعل فتيلة “الرجاء” المدخِّنة في قلب هذه المرأة. وهذه هي أول خطوة في الطريق إلى التوبة: لنا رجاء في المسيح.
رجاء في محبته حتى وإن استهنتُ بالبنوَّة وعشتُ في الخطية في كورة بعيدة. إنني أيضاً ابن الموعد، مهما تغرَّبتُ عن أورشليم وعن رعوية شعب الله، وعلى هذا الرجاء أقوم وأرجع إلى أبي وأتوب.

ألعلك أعظم من أبينا يعقوب؟
سؤال يحمل بين كلماته مقارنة خفية بين سلطان ناموس العهد القديم مُمثَّلاً في يعقوب أب الأسباط وبين سلطان ناموس المسيح.
هل يستطيع المسيح أن يُقدِّم للإنسان أكثر مما قدَّم له ناموس موسى؟
هل عطية المسيح أعظم من عطية الناموس؟
إن أقصى ما استطاع أن يُقدِّمه الناموس للإنسان في دم ذبائح الحيوان هو تقديس إلى طهارة الجسد فقط، أما دم المسيح الذي بروح أزلي قد قدَّم نفسه لله بلا عيب فهو يُطهِّر الضمير من كل الأعمال الميتة (انظر عب 14:9).
بالناموس عاش الإنسان في شبه السماويَّات، إذ أن الناموس له ظل الخيرات العتيدة فقط، لأنه لا يمكن أن دم ثيران وتيوس يرفع الخطايا، ولكننا بدم المسيح نستطيع أن ندخل إلى السماء عينها، لأنه أقامنا معه وأجلسنا معه في المجد.
وبهذا تتميز المسيحية: إن عملها لا يتوقف عند حدِّ الكشف عن ضعف الإنسان أو معرفته للخير والشر، لأنها في ذلك تشترك مع مناهج أخلاقية أخرى. ولكن الإنسان في المسيحية يأخذ قوة إلهية ترفعه من هذا الضعف بتجديد طبيعته الخاطئة إلى طبيعة مقدسة إلهية

Post a comment