No comments yet

دعوة للاتضاع

دعوة للاتضاع

عندما جاء ملء الزمان كي يتجسَّد الابن اختار من بين كل النساء في بيت داود مريم التقية النقية المتضعة، وأهَّلها اتضاعها كي تصير حواء الثانية أُم الخليقة الجديدة. وإذ كان كبرياء حواء وعصيانها هو الباب الذي ولجت منه الخطية والموت إلى كل البشر، فإن اتضاع مريم كان الباب الذي عَبَرَ منه خلاص البشرية ونوالها الحياة الأبدية. وهكذا باتضاعها وطاعتها صحَّحت مريم موقف حواء ورفعت رأس كل النساء اللاتي نُسبت إليهن في القديم كل نقيصة وصرن منذ التجسُّد يفتخرن بأنهن نساء من نفس جنس العذراء أُم الله.
وبشارة الملاك وتحيته لها وإعلانه أنها وجدت نعمة عند الله، وأنها ستحبل وتلد ابن الله (لو 1: 30و35)، كل هذا لم يُغيِّر موقفها من نفسها أنها أَمَة الرب (لو 1: 38). وأكثر من ذلك، أنها لما عرفت من الملاك بأن نسيبتها أليصابات حُبلى في الشهر السادس، قامت وذهبت بسرعة إلى الجبال إلى مدينة يهوذا لزيارة أليصابات وتهنئتها وخدمتها لثلاثة شهور، وفي تسبحتها مجَّدت الله الذي “نظر إلى اتضاع أمته… ورفع المتضعين.” (لو 1: 48و52)
وهكذا قبل أن يولد المسيح واضعاً نفسه أدنى من كل المتضعين، وقبل أن يُعلِّم عن الاتضاع وإنكار الذات، مارست العذراء هذا الاتجاه المسيحي بحقِّ أمومتها للمخلِّص والمعلِّم، وواصلته في حياة الرب؛ فعاشت كل حياتها في الظل، متوارية خلف ابنها سيد الكل، حتى أن الإنجيل لا يذكرها إلاَّ مرات قليلة أبرزها عند البشارة والميلاد ودخول الهيكل بالطفل، ثم وهي تبحث عن ابنها الصبي، وعند الصليب، ومع أحداث القيامة ويوم الخمسين.
المسيح المتضع:وقد كان دخول المسيح بالجسد إلى العالم، ليُخلِّصه من الموت، من باب الاتضاع بأن “أخلى نفسه آخذاً صورة عبد” (في 2: 7)، ومارسه بأصدق من كل الناس؛ فاختار صغرى مدن يهوذا لتكون محل ميلاده، وامرأة فقيرة من عامة الناس لتكون أُمًّا له، ومذوداً للبهائم ليولد فيه، إذ لم يكن له موضع في المنزل (لو 2: 7)، وفي طفولته كان نموذجاً للطاعة: “خاضعاً لوالديه” (لو 2: 51)، وكدح ليحصل على طعامه فعمل نجاراً مساعداً ليوسف (مت 13: 55، مر 6: 3). وقَبـِلَ أن يعتمد من يوحنا الذي قال إنه لا يستحق أن يحل سيور حذائه، واختار تلاميذه من بسطاء الناس، وخلال أيام خدمته لم يكن له أين يسند رأسه (مت 8: 20، لو 9: 58)، ولا هو امتلك مالاً (مت 17: 7، 2كو 8: 9). واحتمل إهانات أقربائه الذين قالوا إنه مختلٌّ (مر 3: 21). ولم يُقابل العنف أو الإساءة بالإساءة (1بط 2: 23). وقد حاول البعض أن يرجموه (يو 8: 59؛ 10: 31)، أو يلقوا به من فوق الجبل (لو 4: 29)؛ ولكنه لم يعرف الانتقام مؤكِّداً أن “ابن الإنسان لم يأتِ ليهلك أنفس الناس بل ليُخلِّص” (لو 9: 56)، وأجَّل مواجهاته مع العالم حتى الصليب، حيث غلب العالم ورئيسه عندما اختطف من يده الإنسان ومصيره وأنقذه من الموت بموته وقيامته. وإذا كان الرب قد دان الكتبة والفرِّيسيين الذين قاوموه إلاَّ أنه ظل دوماً مترفِّقاً بالخطاة وقلبه فائض بالحنان على النفوس التي أذلَّها الشيطان.وفي ليلة آلامه، ومشهد الصليب في الأُفق، فَعَلَ ما لم يتصوَّره حتى أقرب تلاميذه: قام عن العشاء وخلع ثيابه وجلس على الأرض وابتدأ يغسل أرجل تلاميذه التي غطَّاها تراب الطريق (يو 13: 5)، مُقدِّماً درساً مُذهلاً في التنازل والاتضاع من أجل المحبة.

وخلال محنة المحاكمات والاقتراب من الصليب، قَبـِلَ صامتاً الشتائم والتعييرات من أدنى الناس وكبارهم (إش 53: 7)، كما احتمل إنكار بطرس له والتخلِّي عنه والعالم يُحاصره، ولكنه قَبـِلَ دموع توبته وشدَّده وأرسله لرعاية خرافه. وفي النهاية: “وضع نفسه وأطاع حتى الموت، موت الصليب.” (في 2: 8)

الاتضاع في التعليم الكتابي:

منذ بداية الخليقة هناك قانون إلهي: “يُقاوم الله المستكبرين، أما المتواضعون فيُعطيهم نعمة” (يع 4: 26، 1بط 5: 5). فالشيطان وجنوده سقطوا بكبريائهم من النعمة، ومثلهم طُرِد آدم وحواء من الجنة. ورجال الله الأوائل كانوا نماذج في الاتضاع أمام الله. فإبراهيم خليل الله (يع 2: 23) يخاطب الله قائلاً: “شرعت أكلِّم المولى، وأنا تراب ورماد” (تك 18: 27). وموسى يقول لله: “مَن أنا حتى أذهب إلى فرعـون وحتى أُخرج بني إسرائيل من مصر. لستُ أنا صاحب كلام… بل أنا ثقيل الفم واللسان” (خر 3: 11؛ 4: 10). وداود المنتصر يصف نفسه أنه “كلب ميت وبرغوث واحد” (1صم 24: 14). وأيوب المبتلَى يقول: “ها أنا حقير، فماذا أُجاوبك؟ وضعتُ يدي على فمي.” (أي 40: 3)

ويتبدَّى الاتضاع في تعليم المسيح ورسله ساطعاً متجلِّياً وسط سائر الفضائل. ففي صدر الموعظة على الجبل جاءت كلمات الرب تطوِّب المتضعين: “طوبى للمساكين بالروح، لأن لهم ملكوت السموات” (مت 5: 3). كما أن الرب قدَّم نفسه نموذجاً للاتضاع، وحث الجميع على اتِّباعه: “تعلَّموا مني، لأني وديع ومتواضع القلب، فتجدوا راحة لنفوسكم” (مت 11: 29)، ونبَّه الناس إلى اختيار المكان الأخير: “متى دُعيت فـاذهب واتَّكئ في الموضع الأخير”، مؤكِّـداً أنَّ “مَـنْ يضع نفسه يـــرتفع” (لو 14: 10و11). وفي توجيهه لتلاميذه المتنافسين على المكان الأول أقام في وسطهم ولداً وحذَّرهم: “إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السموات. فمَنْ وضع نفسه مثل هذا الولد، فهو الأعظم في ملكوت السموات” (مت 18: 3و4). وفي ختام مَثَل الفرِّيسي والعشار، حيث تمتَّع العشار المتضع برحمة الله وغُفِرَت خطاياه دون الفرِّيسي المتفاخر ببرِّه، كان التعليم: “لأن كل مَن يرفع نفسه يتضع، ومَن يضع نفسه يرتفع” (لو 14: 11؛ 18: 14). وجعل الرب إنكار الذات حجر الزاوية في البناء الروحي وتبعية الرب: “إن أراد أحد أن يأتي ورائي، فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني” (مت 16: 24)، “إن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتَمُتْ، فهي تبقى وحدها. ولكن إن ماتت تأتي بثمر كثير” (يو 12: 24). وبعد أن غسل الرب أرجل تلاميذه أوصاهم أن يفعلوا مثله مُبيِّناً أنه: “ليس عبد أعظم من سيده، ولا رسول أعظم من مُرسله.” (يو 13: 16)

وفي تعليم الرسل يقع الحثّ على الاتضاع في الصدارة:

+ “فتواضعوا تحت يد الله القوية لكي يرفعكم في حينه.” (1بط 5: 6)

+ “فالبسوا كمختاري الله القديسين المحبوبين أحشاء رأفات، ولُطفاً، وتواضعاً، ووداعة، وطول أناة.” (كو 3: 12)

بل إن القديس بولس، رسول الأمم العظيم، لا يرى نفسه أمام برِّ المسيح إلاَّ أحد الخطاة، بل أولهم: إن “المسيح يسوع جاء إلى العالم ليُخلِّص الخطاة الذين أولهم أنا” (1تي 1: 15)، ويصف نفسه أنه: “أصغر الرسل”، بل إنه ليس أهلاً لأن يُدعَى رسولاً، لأنه اضطهد كنيسة الله، وينسب العمل كله لنعمة الله: “ولكن بنعمة الله أنا ما أنا… لا أنا بل نعمة الله التي معي.” (1كو 15: 9و10)

ولماذا الاتضاع؟

ليس غريباً أن يُطوِّب الرب المتضعين ويجعل إنكار الذات أساس السلوك المسيحي. فالاتضاع يعني اكتشاف الإنسان لحقيقة نفسه، وإدراك عجزه وقلة حيلته أمام المرض والمحن والموت، وأنه تراب ورماد، وأن حياته بخار يظهر قليلاً ثم يضمحل (يع 4: 14)، وأنه بدون الله واهب الحياة لا يقدر على فعل شيء. وأنه ضعيف ويُخطئ، وأن أي فعل طيِّب يعمله ينتسب مباشرة إلى الله صانع الخيرات ومصدر كل بر، وأنه محدود القوة والمعرفة والأيام، وأن أحداً لا يملك حياته أو مواهبه أو فضائله أو صحته أو ماله أو جماله أو نسبه، وأن أحداً لا يستطيع وحده أن يفعل البر أو ينتصر على الخطية. هي كلها عطايا الله الغني.

وهكذا يُترجم الاتضاع إلى إنكار الذات أي عدم الاعتداد بالنفس وإخلائها، كي يصير الله هو المهيمن على الكيان دون منازع. وهكذا جعله الرب شرطاً أولياً لتبعيته، إذ بدونه ترفض النفس تبعية آخر، وبدونه لن تقبل حمل الصليب أي التألُّم من أجل المسيح، أو احتمال التجارب الداعمة للإيمان أو الجهاد ضد ميول الجسد. ومن هنا يكون الاتضاع هو المفتاح للدخول إلى سائر الفضائل.

على أن الأسباب التي تجعل الاتضاع الجوهرة الثمينة التي ينشد كل مؤمن أن يقتنيها، والتي تجعل كبرياء الإنسان تنكُّباً عن طريق الحق وقصوراً عقلياً وعمىً روحياً، أكثر من أن تُحتوى؛ في إمكاننا حصر أهمها:

+ فكيف يتعالى أحد على آخر، وكل البشر سواءٌ، فهم جميعاً إخوة من أب واحد وأُم واحدة.

+وكيف ينسى الإنسان مهما ارتفع أنه في ساعة لا يعرفها سوف يواريه التراب وسيعود هو في نهاية الأمر إلى تراب.

+وكيف نتجاهل وصية الرب: أن “تعلَّموا مني” (مت 11: 29)، أي تمثَّلوا بي وسيروا على نهجي في الاتضاع، وأن ليس التلميذ أفضل من المعلِّم بل يكفي التلميذ أن يكون كمعلِّمه (مت 10: 24و25).

+وإذا كان البر الذاتي يُعطِّل شركتنا في المسيح ويدمِّر الحياة كلها، فإن الاتضاع يحفظ لحياتنا الروحية سلامتها ونموها إلى آفاق أرحب، ويُحبط مؤامرات الشرير ضدنا، فإبليس لن يجد طريقاً إلى النفس المتضعة المحتمية بإيمانها في قوة القدير.

+يكفي أن الله الذي يُقاوم المستكبرين هو قريبٌ من المتضعين والمنكسري القلوب، يُخلِّصهم ويشفيهم ويجبر كسرهم (مز 34: 18؛ 147: 3، لو 4: 18)، ويُعزِّيهم (2كو 7: 6)، ويُعطيهم نعمة (يع 4: 6، 1بط 5: 5). كما أن مَن يتضع يرتفع، فالانحناء للدخول من الباب الضيق إلى الطريق الكرب هو السبيل المؤدِّي إلى الحياة الأبدية.

+وإن دخول المسيح إلى مجده كان من باب الاتضاع: “لكنه أخلى نفسه آخذاً صورة عبد، صائراً في شِبه الناس. وإذ وُجـِدَ في الهيئة كإنسان، وضع نفسه وأطاع حتى الموت، موت الصليب. لذلك رفَّعه الله أيضاً، وأعطاه اسماً فوق كل اسم، لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة مِمَّن في السماء ومَن على الأرض ومن تحت الأرض.” (في 2: 7-10)

+وإن العذراء المتضعة رُفعت إلى السماء، وصارت في الكنيسة الشفيعة الأولى، ويجيء ذِكرها في مقدمة مجمع القديسين: “وبالأكثر القديسة المملوءة مجداً العذراء كل حين والدة الإله القديسة الطاهرة مريم التي ولدت الله الكلمة بالحقيقة”.

Post a comment